الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
568
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأنّ الحضور للكتابة بين المتداينين ليس من الإضرار إلّا في أحوال نادرة كبعد مكان المتداينين من مكان الكاتب . وعن الشعبي وابن جريج وابن زيد أنّه منسوخ بقوله تعالى - بعد هذا - فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ [ البقرة : 283 ] وسيأتي لنا إبطال ذلك . وعلى هذا الخلاف يختلف في جواز الأجر على الكتابة بين المتداينين ، لأنّها إن كانت واجبة فلا أجر عليها ، وإلّا فالأجر جائز . ويلحق بالتداين جميع المعاملات التي يطلب فيها التوثّق بالكتابة والإشهاد ، وسيأتي الكلام على حكم أداء الشهادة عند قوله تعالى : وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ . وقوله : كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ أي كتابة تشابه الذي علّمه اللّه أن يكتبها ، والمراد بالمشابهة المطابقة لا المقاربة ، فهي مثل قوله : فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ [ البقرة : 137 ] ، فالكاف في موضع المفعول المطلق لأنّها صفة لمصدر محذوف . و ( ما ) موصولة . ومعنى ما علّمه اللّه أنّه يكتب ما يعتقده ولا يجحف أو يوارب ، لأنّ اللّه ما علم إلّا الحق وهو المستقرّ في فطرة الإنسان ، وإنّما ينصرف الناس عنه بالهوى فيبدّلون ويغيّرون وليس ذلك التبديل بالذي علّمهم اللّه تعالى ، وهذا يشير إليه قوله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « واستفت نفسك وإن أفتاك الناس » . ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة الشيء بمكافئه والعوض بمعوضه ، أي أن يكتب كتابة تكافئ تعليم اللّه إياه الكتابة ، بأن ينفع الناس بها شكرا على تيسير اللّه له أسباب علمها ، وإنّما يحصل هذا الشكر بأن يكتب ما فيه حفظ الحق ولا يقصر ولا يدلّس ، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه معنى التعليل كما في قوله تعالى : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [ القصص : 77 ] وقوله : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [ البقرة : 198 ] . والكاف على هذا إما نائبة عن المفعول المطلق أو صفة لمفعول به محذوف على تأويل مصدر فعل أن يكتب بالمكتوب ، و ( ما ) على هذا الوجه مصدرية ، وعلى كلا الوجهين فهو متعلق بقوله : أَنْ يَكْتُبَ ، وجوّز صاحب « الكشاف » تعليقه بقوله فليكتب فهو وجه في تفسير الآية . وقوله : فَلْيَكْتُبْ تفريع على قوله : وَلا يَأْبَ كاتِبٌ ، وهو تصريح بمقتضى النهي وتكرير للأمر في قوله : فَاكْتُبُوهُ ، فهو يفيد تأكيد الأمر وتأكيد النهي أيضا ، وإنّما